في المقال السابق، تحدثنا عن أهمية أن نتعرّف أولًا على عالم الطفل قبل أن نحاول تعليمه أو توجيه سلوكه. لكن حين نقول «عالم الطفل»، ماذا نعني تحديدًا؟نحن نعيش العالم نفسه الذي يعيشه الطفل، نرى الأشياء ذاتها، ونسمع الأصوات نفسها، ونعيش في المكان نفسه… ومع ذلك، فإن الطفل لا يرى هذا العالم بالطريقة التي نراه بها نحن.

فالطفل لا يأتي إلى الحياة وهو يحمل خريطة جاهزة لفهم الأشياء من حوله. إنه يبني هذه الخريطة تدريجيًا، من خلال ما يراه، وما يلمسه، وما يسمعه، وما يجرّبه، والأهم… من خلال ما يشعر به أثناء كل ذلك.

العالم بالنسبة إلى الطفل تجربة قبل أن يكون معلومة

حين يرى الكبير شجرة، قد يراها ببساطة شجرة.

أما الطفل فقد يراها شيئًا يمكن لمسه، وتسلقه، ومراقبة أوراقه، والعثور على حشرة صغيرة فوقه. قد يتساءل: لماذا تتحرك أوراقها؟ أين تذهب عندما تسقط؟ هل يمكنني لمسها؟

بالنسبة إلى الطفل، المعرفة لا تبدأ دائمًا من الاسم أو التعريف، بل من الاكتشاف.

ولهذا يحتاج الطفل إلى أن يلمس ويجرب ويسأل ويكرر. فكل تجربة صغيرة تساعده على بناء معنى جديد لما يحيط به.

الأشياء الصغيرة قد تكون كبيرة في عالمه

قد نتساءل أحيانًا:

لماذا توقف الطفل ليتأمل شيئًا بسيطًا؟
لماذا يسأل عن الأمر نفسه مرات عديدة؟
لماذا ينشغل بحشرة صغيرة أو صوت سمعه من بعيد؟

لأن عالم الطفل ما زال جديدًا.

أشياء نعتبرها نحن عادية، لأنها أصبحت مألوفة بالنسبة إلينا، قد تكون بالنسبة إليه اكتشافًا حقيقيًا.

صوت المطر، ظلّ على الحائط، لون السماء، حركة سيارة، حشرة على الأرض، أو حتى كوب يسقط ويتدحرج… كلها فرص لفهم العالم.

ولهذا فإن فضول الطفل ليس أمرًا زائدًا عن الحاجة، بل هو إحدى الطرق التي يبني بها معرفته.

الطفل لا يتعلم الأشياء منفصلة عن مشاعره

نحن نميل أحيانًا إلى التعامل مع التعلم وكأنه عملية عقلية فقط: نعرض المعلومة، ثم ننتظر من الطفل أن يفهمها.

لكن الطفل يعيش التجربة كاملة.

إذا كان يشعر بالأمان، يكون أكثر استعدادًا للاستكشاف. وإذا كان خائفًا أو متوترًا أو تحت ضغط، فقد تصبح التجربة مختلفة تمامًا بالنسبة إليه.

ولهذا فإن البيئة التي يتعلم فيها الطفل لا تقل أهمية عن الشيء الذي نريد تعليمه إياه.

فقد لا تكون المشكلة دائمًا في صعوبة النشاط، بل في الطريقة التي قُدّم بها، أو في حالة الطفل في تلك اللحظة.

مفهوم الزمن مختلف أيضًا

نقول للطفل:

«انتظر قليلًا.»

لكن «قليلًا» بالنسبة إلينا قد يعني خمس دقائق، بينما قد تبدو للطفل مدة طويلة جدًا.

نقول:

«سنذهب غدًا.»

والطفل الصغير قد لا يمتلك بعد التصور نفسه الذي نملكه عن معنى «غدًا».

فالطفل يحتاج إلى أن يعيش مفاهيم كثيرة قبل أن تصبح مجرد كلمات واضحة بالنسبة إليه.

ولهذا فإن بعض المفاهيم التي تبدو بسيطة للكبار تحتاج إلى وقت وتجربة وتكرار حتى تصبح مفهومة فعلًا في ذهن الطفل.

الطفل يتعلم من العلاقة بين الأشياء

حين يسقط الطفل شيئًا على الأرض ويرى أنه يصدر صوتًا، ثم يعيد التجربة مرة أخرى، فهو لا «يعبث» بالضرورة.

إنه يكتشف علاقة:

أنا أفعل شيئًا → يحدث شيء آخر.

وحين يجمع الأشياء بحسب اللون أو الحجم، أو يضعها في ترتيب معين، أو يحاول معرفة ما الذي يأتي بعد شيء آخر، فهو يبني تدريجيًا مفاهيم تساعده لاحقًا على فهم الرياضيات واللغة والعلوم وغيرها من مجالات التعلم.

وهنا تظهر أهمية أن نمنح الطفل فرصة للتجربة بدل أن نعطيه النتيجة دائمًا.

لذلك، لا ينبغي أن نستعجل الإجابة عن كل سؤال

حين يسأل الطفل:

«لماذا؟»

ثم يعيد السؤال:

«ولماذا؟»

قد نشعر أحيانًا أنه يكرر نفسه أو يريد إطالة الحديث.

لكن السؤال المتكرر قد يكون محاولة للوصول إلى فهم أعمق.

وفي بعض الأحيان، قد يكون من المفيد ألا نعطيه الإجابة مباشرة، بل أن نعيد السؤال إليه:

«ماذا تظن؟»

«ماذا لاحظت؟»

«ماذا يمكن أن يحدث لو جرّبنا؟»

بهذه الطريقة، لا نعطيه المعلومة فقط، بل نساعده على بناء طريقة في التفكير.

أن نرى العالم بعين الطفل

فهم الطفل لا يعني أن نعامله وكأنه لا يستطيع الفهم، ولا يعني أن نبسّط له الحياة إلى درجة إلغاء فضوله.

بل يعني أن نتذكر أن ما يبدو لنا واضحًا اليوم، كان في وقت ما جديدًا علينا أيضًا.

وأن الطفل يحتاج إلى الوقت ليبني مفاهيمه، وإلى التجربة ليختبرها، وإلى التكرار ليترسخ فهمه، وإلى الأمان حتى يجرؤ على السؤال والمحاولة والخطأ.

لذلك، ربما يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه قبل أن نقول:

«لماذا لا يفهم الطفل؟»

هو:

«كيف يحاول الطفل أن يفهم؟»

فحين نقترب من الطريقة التي يرى بها الطفل العالم، تتغير طريقتنا في تعليمه.

نصبح أقل استعجالًا، وأكثر ملاحظة.

أقل تركيزًا على النتيجة، وأكثر اهتمامًا بالرحلة.

ونكتشف أن كثيرًا مما نراه سلوكًا عابرًا أو سؤالًا متكررًا أو تجربة بسيطة، قد يكون في الحقيقة جزءًا من عملية كبيرة تحدث داخل عقل الطفل: إنه يتعلم كيف يفهم العالم.

وللحديث بقية…

إذا بدأنا بفهم الطريقة التي يرى بها الطفل العالم، يبقى سؤال آخر أكثر عمقًا:

إذا كان الطفل يرى العالم بطريقة مختلفة… فهل يفكر بالطريقة نفسها التي نفكر بها نحن؟

في المقال القادم نقترب أكثر من عالم تفكير الطفل، ونحاول أن نفهم لماذا لا يمكننا دائمًا أن نطالبه بأن يفكر مثل الكبار.

Vous pourriez aussi aimer